فصل: تفسير الآيات (8-9):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (12):

{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ. تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [25/ 53].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}. قَدْ تُقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مَعَ بَسْطِ أَحْكَامٍ فِقْهِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [16/ 14].
وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [6/ 130]. أَنَّ قَوْلَهُ فِي آيَةِ فَاطِرٍ هَذِهِ: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا، دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ وَاضِحٌ عَلَى بُطْلَانِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَى مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللُّؤْلُؤَ وَالْمَرْجَانَ لَا يَخْرُجَانِ إلَّا مِنَ الْبَحْرِ الْمِلْحِ خَاصَّةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} الْآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [19/ 82]، وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَوَاضِعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّ خَلْقَهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ، أَيْ: فَهُوَ يَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ لَا لِيَنْتَفِعَ بِطَاعَتِهِمْ، وَلَا لِيَدْفَعَ الضُّرَّ بِمَعْصِيَتِهِمْ، بَلِ النَّفْعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُمْ، وَهُوَ جَلَّ وَعَلَا الْغَنِيُّ لِذَاتِهِ الْغِنَى الْمُطْلَقَ.
وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، جَاءَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} الْآيَةَ [47/ 38]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [64/ 6]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [14/ 8]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ عِظَمَ افْتِرَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [3/ 181]، وَقَدْ هَدَّدَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [3/ 181].

.تفسير الآية رقم (16):

{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [4/ 132].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ مَعَ الْجَوَابِ عَنْ بَعْضِ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْآيَةِ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [17/ 15].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ}. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [16/ 25]، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ أَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [29/ 13]، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ}. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ إِنْذَارَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْصُورٌ فِي الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَهَذَا الْحَصْرُ الْإِضَافِيُّ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْإِنْذَارِ، وَغَيْرُ الْمُنْتَفِعِ بِالْإِنْذَارِ كَأَنَّهُ هُوَ وَالَّذِي لَمْ يُنْذَرْ سَوَاءٌ، بِجَامِعِ عَدَمِ النَّفْعِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَهَذَا الْمَعْنَى جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} الْآيَةَ [36/ 10- 11]، وَقَوْلِهِ: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [79/ 45]، وَيُشْبِهُ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [50/ 45]، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى الْإِنْذَارِ وَأَنْوَاعَهُ مُوَضَّحًا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [7/ 2].

.تفسير الآية رقم (19):

{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}. قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} الْآيَةَ [11/ 24].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ}.
الْأَحْيَاءُ هُنَا: الْمُؤْمِنُونَ، وَالْأَمْوَاتُ: الْكُفَّارُ؛ فَالْحَيَاةُ هُنَا حَيَاةُ إِيمَانٍ، وَالْمَوْتُ مَوْتُ كُفْرٍ.
وَهَذَا الْمَعْنَى جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [6/ 122]، فَقَوْلُهُ: أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا، أَيْ: مَوْتَ كُفْرٍ فَأَحْيَيْنَاهُ حَيَاةَ إِيمَانٍ؛ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [36/ 70]، فَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ كَانَ حَيًّا، أَيْ- وَهِيَ حَيَاةُ إِيمَانٍ- إِنَّ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وَقَدْ أَطْبَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} [6/ 36]، أَنَّ الْمَعْنَى: وَالْكُفَّارُ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا مُوَضَّحًا بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} الْآيَةَ [27/ 80].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ وَمَا جَاءَ فِي سَمَاعِ الْمَوْتَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} الْآيَةَ [27/ 80].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ}. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الرُّومِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} الْآيَةَ [30/ 22]، وَبَيَّنَّا هُنَاكَ دَلَالَةَ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الْمُؤَثِّرُ وَحْدَهُ، وَأَنَّ الطَّبَائِعَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى.

.تفسير الآيات (32-33):

{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} إِلَى قَوْلِهِ: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}: قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ، مَعَ نَظَائِرِهَا مِنْ آيَاتِ الرَّجَاءِ اسْتِطْرَادًا، وَذَكَرْنَا مَعْنَى الظَّالِمِ وَالْمُقْتَصِدِ وَالسَّابِقِ، وَوَجْهُ تَقْدِيمِ الظَّالِمِ عَلَيْهِمَا بِالْوَعْدِ فِي الْجَنَّاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} الْآيَةَ [24/ 22].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ قَدْ قَدَّمْنَاهُ مَعَ الْآيَاتِ الْمُمَاثِلَةِ، وَالْمُشَابِهَةِ لَهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} الْآيَةَ [7/ 53].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} الْآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [25/ 3]. وَفِي سُورَةِ الرَّعْدِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} الْآيَةَ [13/ 16].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} الْآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [22/ 65].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ} الْآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} الْآيَةَ [6/ 157].

.تفسير الآية رقم (45):

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} الْآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ وَشَوَاهِدَهُ الْعَرَبِيَّةَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} الْآيَةَ [16/ 61].

.سُورَةُ يس:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

.تفسير الآية رقم (6):

{لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يس}: التَّحْقِيقُ إِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَالْيَاءُ الْمَذْكُورَةُ فِيهِ ذُكِرَتْ فِي فَاتِحَةِ سُورَةِ مَرْيَمَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كهيعص} [19/ 1]، وَالسِّينُ الْمَذْكُورَةُ فِيهِ ذُكِرَتْ فِي أَوَّلِ الشُّعَرَاءِ وَالْقَصَصِ، فِي قَوْلِهِ: {طسم} [26/ 1] وَفِي أَوَّلِ النَّمْلِ، فِي قَوْلِهِ: {طس} [27/ 1]، وَفِي أَوَّلِ الشُّورَى، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {حم عسق} [42/ 1- 2].
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ مُسْتَوْفًى عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}. قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُوجِبَ التَّوْكِيدِ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، هُوَ إِنْكَارُ الْكُفَّارِ لِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا} [13/ 43]، فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [2/ 252].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}. لَفْظَةُ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} قِيلَ: نَافِيَةٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: مَوْصُولَةٌ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِتُنْذِرَ، وَقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا دَلَالَةَ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّهَا نَافِيَةٌ، وَأَنَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَرْتِيبُهُ بِالْفَاءِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: فَهُمْ غَافِلُونَ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ غَافِلِينَ يُنَاسِبُ عَدَمَ الْإِنْذَارِ لَا الْإِنْذَارَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مَعَ آيَاتٍ أُخَرَ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ؛ كَمَا أَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [17/ 15].

.تفسير الآية رقم (7):

{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي قَوْلِهِ: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} الْآيَةَ [41/ 25]، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} الْآيَةَ [28/ 63].
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [36/ 70]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ} [37/ 31]، وَالْكَلِمَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [10/ 96- 97]، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [39/ 71]، أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ وَالْكَلِمَةِ أَوِ الْكَلِمَاتِ عَلَى قِرَاءَةِ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [11/ 119]، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ هُودٍ: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [11/ 118- 119]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي السَّجْدَةِ: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [32/ 13].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أُخْرَيَاتِ ص: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [38/ 84- 85].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [11/ 17]، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [12/ 103] {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ} [37/ 71]، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [26/ 174].
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةَ [6/ 116].
وَبَيَّنَّا بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ: أَنَّ نَصِيبَ النَّارِ مِنَ الْأَلْفِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَتِسْعُمِائَةٍ، وَأَنَّ نَصِيبَ الْجَنَّةِ مِنْهَا وَاحِدٌ.

.تفسير الآيات (8-9):

{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}. الْأَغْلَالُ: جَمْعُ غُلٍّ وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ الْأَيْدِي إِلَى الْأَعْنَاقِ. وَالْأَذْقَانُ: جَمْعُ ذَقَنٍ وَهُوَ مُلْتَقَى اللَّحْيَيْنِ. وَالْمُقْمَحُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الرَّافِعُ رَأْسَهُ. وَالسَّدُّ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ: هُوَ الْحَاجِزُ الَّذِي يَسُدُّ طَرِيقَ الْوُصُولِ إِلَى مَا وَرَاءَهُ.
وَقَوْلُهُ: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} أَيْ: جَعَلَنَا عَلَى أَبْصَارِهِمُ الْغِشَاوَةَ، وَهِيَ الْغِطَاءُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْعَيْنِ يَمْنَعُهَا مِنَ الْإِبْصَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [2/ 7]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [45/ 23]، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ:
هَوَيْتُكِ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ** فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا

وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاءَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقَاوَةُ فِي عِلْمِ اللَّهِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنِ الْإِيمَانِ صَرْفًا عَظِيمًا مَانِعًا مِنْ وُصُولِهِ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ غُلٌّ، وَصَارَ الْغُلُّ إِلَى ذَقَنِهِ، حَتَّى صَارَ رَأْسُهُ مَرْفُوعًا لَا يَقْدِرُ أَنْ يُطَأْطِئَهُ، وَجَعَلَ أَمَامَهُ سَدًّا، وَخَلْفَهُ سَدًّا، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ الْغِشَاوَةَ لَا حِيلَةَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ، وَلَا فِي جَلْبِ نَفْعٍ لِنَفْسِهِ، وَلَا فِي دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهَا، فَالَّذِينَ أَشْقَاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ خَيْرٌ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ كَوْنِهِ جَلَّ وَعَلَا يَصْرِفُ الْأَشْقِيَاءَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقَاوَةُ فِي عِلْمِهِ عَنِ الْحَقِّ وَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [18/ 57]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [2/ 7]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [45/ 23]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [6/ 125]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ} [7/ 186]،
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [5/ 41].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [16/ 108]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [11/ 20]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [18/ 101]، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا الطَّبْعَ وَالْخَتْمَ عَلَى الْقُلُوبِ، وَكَذَلِكَ الْأَغْلَالُ فِي الْأَعْنَاقِ، وَالسَّدُّ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمَنْ خَلْفِهِمْ، أَنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الْمَوَانِعِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَوُصُولِ الْخَيْرِ إِلَى الْقُلُوبِ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَعَلَهَا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مُسَارَعَتِهِمْ لِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَالتَّمَادِي عَلَى الْكُفْرِ، فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، بِطَمْسِ الْبَصَائِرِ وَالْخَتْمِ عَلَى الْقُلُوبِ وَالطَّبْعِ عَلَيْهَا، وَالْغِشَاوَةِ عَلَى الْأَبْصَارِ؛ لِأَنَّ مِنْ شُؤْمِ السَّيِّئَاتِ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يُعَاقِبُ صَاحِبَهَا عَلَيْهَا بِتَمَادِيهِ عَلَى الشَّرِّ، وَالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَيْرِ جَزَاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عَلَى كُفْرِهِ جَزَاءً وِفَاقًا.
وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [4/ 155]، فَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ. وَفِي الْآيَةِ تَصْرِيحٌ مِنْهُ تَعَالَى أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِهِمْ هُوَ كُفْرُهُمْ؛ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [63/ 3]، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَاءَ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، أَيْ: فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ذَلِكَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [61/ 5]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [6/ 110]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [2/ 10]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى أَنَّ شُؤْمَ السَّيِّئَاتِ يَجُرُّ صَاحِبَهُ إِلَى التَّمَادِي فِي السَّيِّئَاتِ، وَيُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ مُخَالَفَةِ ذَلِكَ، أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرِ يُؤَدِّي إِلَى التَّمَادِي فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [47/ 17]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [29/ 69]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [64/ 11]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا، أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَغْلَالُ الَّتِي يُعَذَّبُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [40/ 71- 72]، خِلَافَ التَّحْقِيقِ، بَلِ الْمُرَادُ بِجَعْلِ الْأَغْلَالِ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ فِي الْآيَةِ هُوَ صَرْفُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى فِي دَارِ الدُّنْيَا؛ كَمَا أَوْضَحْنَا. وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ: حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ: سَدًّا، بِالْفَتْحِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِضَمِّ السِّينِ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ عَلَى الصَّوَابِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}. تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ مَعَ نَظَائِرِهِ مِنَ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [35/ 18].

.تفسير الآية رقم (12):

{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ:
الْأَوَّلَ: أَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ مُتَكَلِّمًا عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ.
الثَّانِيَ: أَنَّهُ يَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا فِي دَارِ الدُّنْيَا.
الثَّالِثَ: أَنَّهُ يَكْتُبُ آثَارَهُمْ.
الرَّابِعَ: أَنَّهُ أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ، أَيْ: فِي كِتَابٍ بَيِّنٍ وَاضِحٍ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْأَرْبَعَةُ جَاءَتْ مُوَضَّحَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا وَهُوَ كَوْنُهُ يُحْيِي الْمَوْتَى بِالْبَعْثِ، فَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [64/ 7]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [10/ 53]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} [16/ 38]، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا بِكَثْرَةٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَسُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى بَرَاهِينِ الْبَعْثِ، وَقَدَّمْنَا الْإِحَالَةَ عَلَى ذَلِكَ مِرَارًا.
وَأَمَّا الثَّانِي مِنْهَا وَهُوَ كَوْنُهُ يَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [43/ 80]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [45/ 29]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [17/ 13- 14]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} الْآيَةَ [18/ 49]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [50/ 18]. وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ مِنْهَا وَهُوَ كَوْنُهُمْ تُكْتَبُ آثَارُهُمْ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ أَيْضًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَآثَارَهُمْ، فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: أَنَّ مَعْنَى مَا قَدَّمُوا: مَا بَاشَرُوا فِعْلَهُ فِي حَيَاتِهِمْ، وَأَنَّ مَعْنَى آثَارَهَمْ: هُوَ مَا سَنُّوهُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ، فَهُوَ مِنْ آثَارِهِمُ الَّتِي يُعْمَلُ بِهَا بِعَدَهُمْ.
الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى آثَارَهُمْ: خُطَاهُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَنَحْوُهَا مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، وَكَذَلِكَ خُطَاهُمْ إِلَى الشَّرِّ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبُ آثَارُكُمْ»، يَعْنِي: خُطَاكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ إِلَى مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَ مَنْ أَضَلُّوهُمْ وَسَنُّوا لَهُمُ السُّنَنَ السَّيِّئَةَ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الْآيَةَ [16/ 25]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [29/ 13].
وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الْآيَةَ [16/ 25]
وَذَكَرْنَا حَدِيثَ جَرِيرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي إِيضَاحِ ذَلِكَ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى مُؤَاخَذَةِ الْإِنْسَانِ بِمَا عُمِلَ بِهِ بَعْدَهُ مِمَّا سَنَّهُ مِنْ هُدًى أَوْ ضَلَالَةٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [75/ 13]، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى بِمَا قَدَّمَ: مُبَاشِرًا لَهُ، وَأَخَّرَ: مِمَّا عُمِلَ بِهِ بَعْدَهُ مِمَّا سَنَّهُ مِنْ هُدًى أَوْ ضَلَالٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [82/ 5]، عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى آثَارَهُمْ: خُطَاهُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَنَحْوُهَا، فَقَدْ جَاءَ بَعْضُ الْآيَاتِ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} [9/ 121]؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ تُكْتَبَ لَهُمْ خُطَاهُمُ الَّتِي قَطَعُوا بِهَا الْوَادِيَ فِي غَزْوِهِمْ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} فَقَدْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَمْرِ الثَّانِي، وَهُوَ كِتَابَةُ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الَّتِي قَدَّمُوهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ خُصُوصُ الْأَعْمَالِ.
وَأَمَّا عَلَى فَرْضِ كَوْنِهِ عَامًّا، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [72/ 28]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [6/ 38]، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.